السيد محمد تقي المدرسي

215

من هدى القرآن

التكذيب بها من قِبَلِ بعض الإنس والجن ، لأن الرسالة في مرتبة عالية قَلَّ أن يسمو إليها البشر ، والله يعلم أن جِبِلًّا كثيرا منهم سوف يكذبون بها . « وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ » بتأكيدات لفظية ثلاثة : « وَإِنَّا » واللام في « لَنَعْلَمُ » و « أَنَّ » ، وإذ يكذبون فلأنهم لم يسموا إلى درجة المتقين الذين يتذكرون بالوحي ويسلِّمون لآياته ويستوعبون حقائقه الكبيرة ، وليس لعيب في القرآن . « وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ » والحسرة بنت الخسارة ، والأثر المعنوي المترتب عليها ، وبذلك يكون القرآن قد أشار إلى الأمرين معا ، وإنما يكون كذلك لأنه الحق الذي يدمغ باطلهم فإذا هو زاهق في الدنيا ، كما أنه ميزان لأعمال الخلق في الآخرة ، والشافع المشفع والماحل المصدق ، وحيث كذبوا به يريهم أعمالهم حسرات عليهم يوم القيامة ، ولا يشفع لهم ، بل يمحلهم بالشهادة عند الله ضدهم . ومن هنا نكتشف خلفية تأويل الإمام الصادق عليه السلام للآية في الإمام علي بن أبي طالب أنه الذي يكون حسرة على الكافرين بقوله : يَعْنِي عَلِيّاً ] « 1 » ، فإن إمام الحق في كل أمة جنبا إلى جنب القيم الإلهية حجة الله على خلقه عند الحساب والجزاء حين يحشر كل أناس بإمامهم ، مما يجعله هو الآخر حسرة على الكافرين إذ يكون شاهدا وحجة عليهم . « وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ » أي حق يفرض نفسه على الإنسان فيصبح موقنا به ، فهو حق في عالم الواقع ويقين في عالم النفس . قال صاحب الكشاف : إن القرآن اليقين حق اليقين ، كقولك هو العالم حق العالم ، وحد العالم ، والمعنى لَعَيْن اليقين ومحض اليقين ] « 2 » ، وقال الرازي : أي حق لا بطلان فيه ، ويقين لا ريب فيه ] « 3 » ، ويأتي التأكيد على هذه الصفة القرآنية في سياق نفي الشعر والكهانة عن آياته تعريضاً من طرف خفي بالاثنين الأخيرين اللذين ملؤهما الخيال والكذب والرجم بالغيب ، وهذه من المفارقات الأساسية بين رسالة الله وثقافة الشعراء والكهنة ، أنها تحتوي على الحق والعلم بأعلى درجاته ( اليقين ) من دونهما حيث ينطويان على التناقض والباطل وحيث يعتريهما الخواء الفكري والعلمي . ونهتدي من نعت القرآن بأنه « وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ » أن انتهاج القرآن هو الشرط الأساسي في مسيرة الإنسان نحو اليقين إيمانا وعلما ، وأنه الواجب الذي يفرض نفسه على العقل حينما يتطلع إلى الكمال المعنوي والمادي باليقين ، أي أن الإنسان يبقى في حيرة وشك لا يصل إلى الإيمان التام ليس بالحقائق العلمية والحياتية وحسب ، بل بأصل الوجود ، وجود نفسه والكون من حوله بكل مفرداته ، حتى يكتمل نور عقله بنور وحي الله ، لأنه الذي يعرفه بالخالق الموجد ، ويرتقي به إلى آفاق اليقين به ، فتنكشف عن بصره وبصيرته

--> ( 1 ) الكافي : ج 1 ، ص 432 . ( 2 ) الكشاف : ج 4 ، ص 607 . ( 3 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 120 .